الشيخ محمد رشيد رضا
312
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حجة عليهم مصدقة لحجة القرآن ، فان مشيئة اللّه لا يردها شيء . ثم إن الطبيعة البشرية هي التي خاطبت البشر فإذا كان هذا شأنها لا يقبل قولها ولا يوثق بتعليمها ، فكيف تجعل مع الطبيعة الأخرى شيئا واحدا ، يسمى ربا وإلها ويعبد ؟ والناس ما رأوا الا الطبيعة البشرية ، ولا عرفوا غيرها ولا سمعوا الا كلامها ولا رأوا الا أفعالها ؟ والنكتة في عطف من في الأرض جميعا على المسيح وأمه التذكير بأنهما من جنس البشر الذين في الأرض وما جاز على أحد المثلين جاز على الآخر . واناجيلهم تعترف بأن المسيح كان كغيره في الشؤون البشرية كما سيأتي في تفسير « مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ » الآية وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما الظاهر أن هذه الجملة حالية أي فمن يملك من اللّه شيئا ان أراد اهلاك المسيح وأمه وأهل الأرض قاطبة والحال انه هو صاحب الملك المطلق والتصرف الاستقلالي الكامل في السماوات والأرض وما بينهما ، أي ما بين هذين العالمين العلوي والسفلي بالنسبة إليكم . وهذا الملك والتصرف مما تعترف به النصارى ، ولكنهم زعموا ان صاحب هذا الملك العظيم والتصرف المطلق والكمال الاعلى قد عرض له بعد خلق آدم - الذي ندم وتأسف من كل قلبه أنه خلقه - أمر عظيم ، وهو ان آدم عصاه فاقتضى عدله ان يعذبه ، واقتضت رحمته ان لا يعذبه ، فوقع التناقض والتعارض بين مقتضى صفاته فلم يجد لذلك مخرجا يجمع به بين مقتضى العدل والرحمة ، الا أن يحل في بطن امرأة من ذرية آدم ويتكون جنينا فيه فتلده انسانا كاملا وإلها كاملا ! ثم يعرض نفسه لشر قتلة لعن صاحبها على لسان رسله وهي الصلب ، فداء لآدم وذريته ، وجمعا بين عدله بتعذيب واحد منهم هو وحده البريء من الذنب ، ورحمة الآخرين إن آمنوا بهذه العقيدة ولو بغير عقل ، ثم إنه لم يتم له هذا الجمع لان أكثر البشر لم يؤمنوا بها ! ! فهو لا بد أن يعذبهم في الآخرة . على أنه عذب كثيرا من الناس بمثل ما عذبه به وبغير ذلك ومنهم المؤمنون بتلك العقيدة ، فلماذا لم يكن تعذيبهم في الدنيا فداء لهم ؟ وهل هذا هو الجمع بين العدل والرحمة ؟ ! ولما كانت شبهتهم على كون المسيح بشرا إلها ، وانسانا ربا ، هي أنه خلق على غير